الشيخ محمد هادي معرفة

272

تلخيص التمهيد

حسن الختام في خواتيم السوَر قال ابن أبي الإصبع : يجب على المتكلّم أن يختم كلامه بأحسن خاتمة ، فإنها آخر ما يبقى في الأسماع ، ولأنّها ربّما حُفظت من دون سائر الكلام في غالب الأحوال ، فيجب أن يَجتهد في رَشَاقتها ونُضجها وحلاوتها وجزالتها « 1 » . وقال غيره : ينبغي أن يكون آخر الكلام الذي يقف عليه الخطيب أو المترسّل أو الشاعر مُستعذباً حسناً ، وأحسنه ما أذن بانتهاء الكلام ، حتى لا يبقى للنفس تشوّفٌ إلى ما وراءه . قال ابن معصوم : وهذا رابع المواضع التي نصّ أئمّة البلاغة على التأنّق فيه ، لأنّه آخر ما يقرع السمع ويرتسم في النفس ، وربّما حفظ لقرب العهدية ، فإن كان مختاراً حَسَناً تلقّاه السمع واستلذّه ، ولربّما جبر ما وقع فيما سبق من التقصير ، كالطعام الشهيّ يُتناول بعد الأطعمة التفهة . فإن كان بخلاف ذلك كان على العكس ، حتّى ربّما أنس المحاسن قبله « 2 » . وقد اتّفقت كلمة أعلام البيان على أنّ خواتيم السوَر كلّها كفواتحها في غاية الجودة ونهاية الكمال . إذ اختُتمت على أحسن وجوه البلاغة وأفضل أنحاء البراعة ، ما بين أدعية خالصة ، وتحميد وتهليل وتسبيح ، أو إيجاز لما اقتضته السورة من تفصيل ، ممّا يناسبه الاختتام ، والإيذان للسامع بختم المقال وتوفّيه المرام ، فلا يبقى معه تشوّف إلى إدامةٍ وتكميلٍ أو إتمام « 3 » . قال ابن معصوم : خواتيم السوَر كفواتحها واردة على أحسن وجوه البلاغة وأكملها ممّا يناسب الاختتام ، كتلخيص جملة المطلوب ثم تفصيلها بأوجز بيان في خاتمة سورة الفاتحة ، إذ المطلوب الأعلى من هداية الأنام هو الإيمان باللَّه واتّباع طريقة مصونة عن الزيغ والانحراف ممّا يوجب سخطه تعالى والتيه في وادي الضلال . فهذا قد لُخّص أولًا في قوله : « اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ » ثم فُصّل : « صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ

--> ( 1 ) . بديع القرآن : ص 343 . ( 2 ) . أنوار الربيع : ج 6 ص 324 . ( 3 ) . راجع معترك الأقران : ج 1 ص 75 .